عرض قدمه الأستاذ "إبراهيم عويد" في إطار الأيام التكوينية التي نظمتها لجنة التكوين والإعلام بالفرع المحلي للجامعة الوطنية للتعليم بالريصاني يوم الأربعاء 27/10/2004.
مقدمــــــــــة:
ظلت قوانين المالية في المغرب منذ الثمانينيات خاضعة لسياسة التقويم الهيكلي ولإملاءات صندوق النقد الدولي، وهو ما جعلها عبارة عن نسخ مكررة ترتهن للتوازنات الماكرو- اقتصادية ذات العلاقة بمعدلي العجز والتضخم، فضلا عن نسبة نمو الناتج الداخلي الإجمالي(PIB).
فلاقتصاد المغربي الذي لا يتجاوز العجز الموازناتي رسميا 3% ولا يتجاوز التضخم رسميا 1,5%، يعرف في الحقيقة نسبة 20% من البطالة، بل إن الميزانية تعكس في الحقيقة ادخارا سلبيا تخفيه واردات الخوصصة.
إن التحكم في نسبة التضخم التي تتحدث عنها قوانين المالية تعود بالأساس إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين وإحجامهم عن الاستهلاك. أما نسبة عجز الميزانية الحقيقي فتصل إلى 6% في حالة عدم احتساب مداخيل الخوصصة التي تتسم بالظرفية، في حين يبقى معدل النمو رهينا بحصيلة الموسم الفلاحي التي تؤثر بشكل جلي في تطور الناتج الداخلي الإجمالي.
تعاني قوانين المالية في المغرب من نفس الاختلالات، حيث تتميز بتضخم كبير في ميزانية التسيير على حساب الاستثمار والاعتماد المستمر على المداخيل الاستثنائية لتغطية نفقات هيكلية رغم أنها أصبحت تسجل تراجعا. وهو ما يجعلنا نتساءل حول مدى نجاعة الاستمرار في مد الميزانية العامة باعتمادات تعتمد على مداخيل الخوصصة، في حالة استنفاذ المؤسسات المعتزم تفويتها مستقبلا؟
كما أن قوانين المالية تعاني من وطأة نفس العبء الذي تمثله خدمة الدين العمومي، مع استمرار ارتفاع المديونية الداخلية، وهو ما انعكس على وتيرة الاستثمار الداخلي، بالإضافة إلى تراجع العائدات الجمركية المرتبطة أساسا بالاستعدادات الخاصة بتطبيق اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي أو مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو مع بعض الدول العربية في إطار ما يسمى باتفاق أكادير.
إن سياسة ضبط التوازنات الكبرى الانكماشية التي اعتمدتها قوانين المالية بالمغرب قد أدت إلى التضحية بالتنمية، وإلى خلق حالة من الادخار الإجباري تهدف فقط إلى دفع أعباء الديون الخارجية، بينما يفترض في المقابل مزاولة سياسة مالية تنموية عبر الزيادة في حجم الاستثمار وخلق فرص العمل للرفع من القدرة الشرائية للمواطن عن طريق الزيادة في الأجور لتحسين مستوى المعيشة.
قانون المالية في النظرة الاقتصادية:
بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى التي عرفها النظام الرأسمالي سنة 1929، بدا واضحا أن قوى السوق (العرض والطلب) لا يمكن التعويل عليها لتحقيق التوازن الاقتصادي، بل على الدولة أن تلعب دورا أساسيا في توجيه وتسيير النشاط الاقتصادي، وأن لا تكتفي بدور الدركي كما تنص على ذلك النظرة الاقتصادية التقليدية الليبرالية.
فشيوع الأفكار الكينزية ونجاعتها في مقاومة الآثار السلبية للأزمة الكبرى قد جعل الدول في البلدان الرأسمالية المتقدمة ابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية، تتدخل بكثافة في بلورة وتسيير السياسات الاقتصادية. يتم تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، حسب "كينز" بواسطة قانونها المالي، أي بتحديد مستوى إيراداتها ونفقاتها في كل دورة سنوية لتتمكن بذلك من السيطرة على التغيرات والتقلبات الهيكلية والظرفية، وتحقيق التوازن الاقتصادي.
يتحقق التوازن الاقتصادي، حسب النظرية الكينزية بتساوي الدخل القومي بالإنفاق القومي. فالدخل القومي هو مجموع الدخول المكتسبة الناتجة عن المشاركة في العملية الإنتاجية، وينقسم إلى استهلاك وادخار. أما الإنفاق القومي فهو مجموع نفقات الدخل القومي للحصول على السلع والخدمات: أي إنفاق استهلاكي وإنفاق استثماري.
وبما أن الدخل يتضمن الاستهلاك والادخار، كما أن الإنفاق يشمل الاستهلاك والاستثمار أمكن صياغة معادلة جديدة تضمن التوازن الاقتصادي. فلكي تتحقق معادلة الدخل القومي بالإنفاق القومي، لا بد من تساوي الادخار والاستثمار.
يعطي "كينز" للدولة دورا أساسيا في تحقيق التوازن الاقتصادي عن طريق استخدام الميزانية العامة للدولة. ترتكز سياسة الميزانية العامة على استعمال النفقات العمومية للتدخل في السياسات الاقتصادية. ويمكن اعتبار نفقات الدولة كحقنة مالية تمكن النشاط الاقتصادي من النمو في حالة الانكماش أو النقص من هذه النفقات في حالة التضخم.
ففي حالة الانكماش يكون الادخار أكبر من الاستثمار، ولتحقيق التوازن يجب الرفع من الاستثمار من جهة، عن طريق زيادة نفقات الدولة على الاستثمار، تخفيض نسبة الفائدة وتحفيز المستثمرين من خلال إعطائهم منحا مالية وإعفاءات ضريبية.
والتقليص من الادخار من جهة ثانية عن طريق الرفع من الضرائب على الاستهلاك.
أما في حالة التضخم يكون الاستثمار أكبر من الادخار. ولتحقيق التوازن يجب التقليص من الاستثمار من جهة، عن طريق رفع نسبة الفائدة، وتقليص نفقات الدولة على الاستثمار والرفع من الضرائب على الأرباح، وتشجيع الادخار من جهة ثانية بواسطة خفض الضرائب على الاستهلاك.
والجدير بالذكر أن الوصفات الكينزية قد ألهمت السياسات الاقتصادية للعديد من الدول منذ الثلاثينيات إلى غاية أواسط السبعينيات. ومن ذلك التاريخ تراجعت هذه السياسات لأنها لم تعد قادرة على مواجهة وضعية البطالة والركود الاقتصادي.
قانون المالية في السياسة الاقتصادية:
لم تعرف السياسة الاقتصادية في المغرب أية مبادرة لخلق نمو قار ومرتفع، واكتفت بالتدبير المحاسباتي الضيق الميزانية. فمنذ بداية الثمانينيات، وبعد تطبيق برنامج التقويم الهيكلي لم تعرف السياسة اقتصادية المغربية إلا تدبير الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى بالتشدد في على العجز في الميزانية في حدود 3%، ومحاولة التحكم في التضخم، وذلك على حساب الاستثمار العمومي، حيث ظلت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن التأثير في اتجاه تخفيض ميزانية التسيير أو مستوى كتلة الأجور التي تراوح نسبتها 13% من الناتج الداخلي الإجمالي، أو التقليص من حجم المديونية.
إن السياسة الاقتصادية التي نهجها المغرب قد هدفت إلى توجيه قوانين المالية بشكل يجعل نفقات الدين تحتل قسطا وافرا من الميزانية وإلى خلق قوانين مالية توظف الموارد الهائلة للبلاد لصالح الخارج، وبعبارة أخرى: توجيه حصيلة النمو الاقتصادي المحلي لتستفيد منها المؤسسات المقرضة للمغرب. كما أن السياسة الاقتصادية لم تستطع أن تؤثر على بنية النظام الجبائي الذي يجعل موارد الدولة تعتمد بالأساس على الضرائب غير المباشرة، وبالخصوص تلك الموجهة للاستهلاك (TVA)، وعلى الضرائب المفروضة على المأجورين (IGR)، وعلى الرأسمال المنتج(IS).
ويمكن تشخيص غياب سياسة اقتصادية فعلية وتهافت الاختيارات الاقتصادية الرسمية من خلال دراسة تحليلية لبنية الميزانية العامة باعتبارها أهم ركن فعلي في قانون المالية والتي تتدخل بواسطتها الدولة في النشاط الاقتصادي. وتتكون الميزانية العامة من موارد ونفقات، وأما الموارد فهي: الضرائب المباشرة، وحقوق الجمارك، والضرائب غير المباشرة، وحقوق التسجيل والتنبر، والأملاك المخزنية،والاحتكارات والاستغلالات، ومداخيل الاقتراض، وأموال المساعدة، ومداخيل التسوية.
أما النفقات فتتكون من نفقات التسيير، ونفقات الاستثمار، ونفقات الدين العمومي.
. موارد الميزانية العامة:
أ- الموارد الجبائية:
للتعرف على مدى عدالة نظام ضريبي معين في بلد معين، يجب المقارنة بين الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة. ففي البلدان التي تعرف فوارق طبقية صارخة تكون نسبة الضرائب غير المباشرة أكبر من نسبة الضرائب المباشرة، ويعتبر المغرب من بين هذه البلدان. فحينما نقوم بتحليل الضرائب الثلاث التي تشكل المكون الرئيسي للنظام الجبائي، أي الضرائب المباشرة وحقوق الجمارك والضرائب غير المباشرة، نستنتج أن الضرائب المباشرة لا تشكل سوى نسبة 20 إلى 25% من الموارد العامة للدولة، منها 13% استقطاعات على الأجور، في حين لا تمثل الضرائب على الأرباح سوى نسبة 9% فقط، لتضل الضرائب غير المباشرة تمثل الحيز الأكبر في موارد الدولة بنسبة تتراوح ما بين 50 و55%. أما نسبة حقوق الجمارك فتمثل حوالي 17 إلى 20%، وهي في تراجع سنة بعد أخرى بسبب توقيع المغرب لعدة اتفاقيات للتبادل الحر مع العديد من الدول.
تشكل الموارد الجبائية في قوانين المالية في المغرب حوالي 65% من مجوع الموارد، وهذه النسبة في تزايد نظرا لتراجع موارد الميزانية من احتكارات الدولة ومساهماتها، وموارد الخوصصة بعد استنفاذ شبه كلي للمؤسسات المفترض خوصصتها. وبالنظر إلى ضيق الوعاء الضريبي نتيجة العديد من العوامل، في مقدمتها التملص الضريبي، واتساع دائرة القطاع غير المهيكل، لم يبق للدولة سوى الرفع من معدل الضريبة على القيمة المضافة.
إن ضيق الوعاء الضريبي مرتبط أساسا بالإمكانيات التي تتوفر عليها الشركات للتملص من الضريبة المباشرة سواء IS أوIGR، ومعلوم أن أكبر حصة من IGR يؤديها بالأساس المأجورون، حيث تقتطع عند المنبع من طرف المقاولة لتؤديها للدولة، عكس الشركات وأرباب العمل. كما أن أهمية القطاع غير المهيكل تتجلى في كون 21% من السكان يرتبط دخلهم بهذا النشاط الذي يتكون من أزيد من مليون و200 ألف وحدة إنتاجية غير مهيكلة، وقد قدر رقم معاملات هذه الوحدات سنة 2000 بـ 116 مليار درهم.
إن قوانين المالية في المغرب مطالبة بالقيام بإصلاح جبائي يهدف إلى تخفيض معدل الضريبة على القيمة المضافة (TVA) التي تساهم بن


































